محمد محمد أبو موسى

32

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

واستيقنوه عادوا إلى القرآن ينظرون فيه فلم يجدوا فيه أثرا لهذا الأصل ، الذي هو كالجزء من ماهية بلاغة الانسان . وجدوا كلاما يخلو خلوا قاطعا من هذا النفس الانساني فكان هذا وجها ظاهرا . وانما يتميز أدب الأديب وشعر الشاعر بمقدار ما يستطيع تحديده من هذه الخصائص الانسانية العامة ، وتضييق هذه الدائرة حتى يكون أدبه دالا عليه هو ، وأحواله هو ، وطبعه هو ، وانما تكون منزلته بمقدار ما يصيب في هذا الباب ، فهناك من تراه غائما في أدبه ، تائها فيه ، تلوح لك ، منه شيات مبهمة ، وصفات غامضة ، هو انسان يصدق عليه أن يكون زيدا وعمرا وبكرا وخالدا ، لأنه لم يستطع بعد أن يتخذ له سمتا خاصا به ، ونهجا دالا عليه ، وانما لا يزال ينهض بجناح غيره ، ويستقى من سحائب غيره ، وهناك من استقام له نهجه الخاص به ، ومذهبه الذي يسلكه ، وهو الذي تراه في كل بيت يقوله . وقد أشار الفرزدق إلى هذا حين ذكر شعر الفحل علقمة بن عبدة في قوله : والفحل علقمة الذي كانت له * حلل الملوك كلامه لا ينحل والمقصود قوله : « كلامه لا ينحل » لأن هذا معناه أن شعر علقمة فيه من خصوصيات علقمة ومن وسمه ومن طبعه ومن سيماه ما لا يصح معه أن ينسب إلى غيره ، وكأن شعر علقمة هو نفس علقمة . وكما لا يصح أن يلتبس شخص علقمة بشخص غيره ، وكذلك لا يصح أن يلتبس شعر علقمة بشعر غيره . ثم تأمل كيف كان يمدح الشاعر بأن له « حلل الملوك » ، وراجع ما يقوله أصحابنا في التكسب بالشعر ، والفرزدق شاعر فحل متميز معارض لكبار الرؤوس من حوله وقد ذكر « حلل الملوك » للشعراء وهو يريد أقدار الرجال وأقدار أشعارهم . والمهم أنك تقرأ شعر الأعشى وكأنك ترى الأعشى فيه يتسكع في أوديته ، وإذا قرأت شعر زهير وجدت زهيرا في شعره متدثرا بحكمته ،